محمد بن لطفي الصباغ

115

لمحات في علوم القرآن واتجاهات التفسير

5 - استطاعت هذه اللجنة أن تنجح في عملها خير نجاح ، فلقد حسمت هذه المصاحف الخلاف ، وحالت دون فرقة المسلمين حول كتاب اللّه الخالد الكريم . قال ابن تيمية يلخص عملية جمع القرآن : ( . . . فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه جبريل به ( أي بالقرآن ) مرتين ، والعرضة الأخيرة هي قراءة زيد بن ثابت وغيره ، وهي التي أمر الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بكتابتها في المصاحف ، وكتبها أبو بكر . . . ثم أمر عثمان في خلافته بكتابتها في المصاحف ، وارسالها إلى الأمصار باتفاق من الصحابة ) « 1 » . * * *

--> ولو كان ذلك كذلك لاستفاض النقل في ذلك ولم يقتصر الأمر على هذا الخبر الواهي ولما كان هذا التورع الشديد من استعمال النقط والتشكيل من عدد من علماء السلف كما سيمرّ معنا . هذا شيء ومعرفة الناس للنقط في وقت مبكر شيء آخر ، ويعتمد من يرى مثل هذا الرأي على النص المشار إليه آنفا وعلى ورقة من أوراق البردي زعموا في تقديرهم أن تاريخها يعود إلى سنة 27 ه ووجدوا فيها هذه النقط . وهذا محل نظر كبير ودون ثبوته خرط القتاد . هذا وقد قرّر - خطأ - القلقشندي في « صبح الأعشى » 3 / 151 ( أن الإعجام موضوع مع وضع الحروف ) قرّر هذا بعد ما أورد أسطورة تدّعي أنّ أول من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من قبيلة بولان وهم : مرارة بن مرة الذي وضع الصور ، وأسلم بن سدرة الذي فصل ووصل ، وعامر بن جدرة الذي وضع الإعجام . وقال مرجحا ما تقتضيه هذه الأسطورة الباطلة المضحكة : ( إذ يبعد أن الحروف قبل ذلك - أي قبل إعجام المصحف - مع تشابه صورها كانت عريّة عن النقط إلى حين نقط المصحف ) أقول : وهذا الذي استبعده هو الذي تقتضيه طبيعة نشأة العلوم والفنون والمخترعات تبدأ بسيطة ثم تدخل عليها إضافات . وانظر في هذا أيضا « مصادر الشعر الجاهلي » لناصر الدين الأسد الذي ذهب مثل هذا المذهب الباطل معتمدا على حجج باطلة وأدلة واهية . واللّه أعلم . ( 1 ) « فتاوى ابن تيمية » 13 / 395 .